أبو ريحان البيروني
8
القانون المسعودي
وعلى العكس من ذلك كانت الهندسة على وجه التخصيص من بين العلوم الرياضية مبعثا لبلبلة خواطر أهل السنة ، باعتبارها فرعا مميزا يحمل طابع علوم الأوائل فهذه الأشكال الدائرية المعروفة باسم " دوائر العروض " المستخدمة في شرح علم العروض ، نراها قد بدت لسذج الإيمان في زمان أبي نواس كأنها زندقة ، وحكم بإلحاد واحد كان لديه كتاب فيه رسومات " 1 " عروضية وفي العصور المتأخرة أثارت الأشكال الهندسية الموجودة في أحد كتب ابن الهيثم الطبيعية الخوف في نفس أحد المتعصبين . ويرى الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال أن العلوم الرياضية ، وهي مفيدة في ذاتها لا يتعلق شيء منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها ، وعلى الرغم من هذا كله فقد نجمت عنها آفتان ، وذلك لأن من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم ( الرياضي ) ، ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تداولته الألسنة ، فيكفر بالتقليد المحض ، ويقول : لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم " وعبثا يقال له إن الفلسفة والدين ميدانان من ميادين المعرفة مختلفان ، وإن المرء يمكن أن يكون حاذقا في أحدهما دون أن يكون حاذقا في الآخر ، هذا إلى أن طريقة التدليل عند صاحب الرياضيات غيرها عند صاحب الإلهيات ، فالأول طريقته برهانية ، أما الثاني فطريقته تخمينية ، ويعرف ذلك من جرب كلام الأوائل في الرياضيات والإلهيات وخاض فيه . فإذا قيل هذا للذي وثق بالفلاسفة ثقة عمياء ، لم يقع منه موقع القبول ، بل تحمله غلبة الهوى ، وشهوة البطالة ، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها ، فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم ، يسري إليهم شرهم وشؤمهم فقل من يخوض فيه ( أي العلم الرياضي ) إلا وينخلع من الدين ، وينحل عن رأسه لجام التقوى " . ازدهار العلوم الرياضية في المناطق البعيدة عن بغداد لما ضعفت الخلافة العباسية في بغداد التي كانت معقل النفوذ لأهل السنة ، ضعفت أيضا خطوط القوى المنبعثة من هذا المركز كلما بعدت المسافة بينها وبين
--> ( 1 ) الأغاني ج 17 ص 18 س 9 من أسفل .